فصل: مسألة يكون صهرا لي فيعمر أرضا في قريتي في وجهي عشر سنين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يكون صهرا لي فيعمر أرضا في قريتي في وجهي عشر سنين:

قلت لسحنون: أرأيت الرجل يكون صهرا لي يكون زوج عمتي، أو زوج أختي، فيعمر أرضا في قريتي، في وجهي عشر سنين أو نحوها، والقرية معروفة لي خاصة، ليست لأبي ولا لجدي، هل تنفعه حيازتها في وجهي عشر سنين أو نحوها، وتكون له كما تكون للبعيد من الناس، إذا أعمروها عشر سنين؟ قال: الصهر عندي بمنزلة القرابة، لا يستحقها بعمارة عشر سنين، كما يستحقها الأجنبي، وقد اختلف فيها أصحابنا، وهذا الذي أعلمتك عندي أحسن؛ أن الصهر بمنزلة القرابة والورثة قيل: فموالي الذين من فوق الذين أعتقوني، قال: الموالي الذين أنعموا عليك، والموالي الذين أنعمت عليهم في ذلك سواء، بمنزلة القرابة.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا: إن الصهر بمنزلة القرابة، هو مثل ما تقدم في هذا الرسم عن ابن القاسم، خلاف ما مضى في رسم شهد، من سماع ابن القاسم. وأما قوله في أن الموالي الأعلين والأسفلين في ذلك سواء، فهو مثل ما في سماع أصبغ، بعد هذا، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه، وبالله التوفيق.

.مسألة أصدق المرأة عن ابنه منزلا فلما دخل ابنه بالمرأة أخذت المنزل:

قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل أصدق المرأة عن ابنه منزلا، فلما دخل ابنه بالمرأة أخذت المنزل، إلا حقولا يسيرة تركتها في يد حموها، فلم تزل في يديه حتى مات بطول زمان، ثم أرادت المرأة أخذها، فمنعها ورثة الحمو، وقالوا: قد عايشته زمانا من دهرك، وهي في يديه، ولا تشهدين عليه بعارية ولا كراء، ولا ندري لعلك أرضاك من حقك، أترى للمرأة في ذلك حقا؟ قال: نعم، لها أن تأخذ تلك الحقول التي هي مما كان أصدقها الحمو عن ابنه، ولا يضرها طول ما تركت ذلك في يد الحمو؛ لأنها ليست بالصدقة، فيلزم حيازتها، وإنما الصداق ثمن من الأثمان. قال: وكذلك لو تركت كل ما أصدقت في يد الحمو، لم يضرها ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا إشكال فيها ولا اختلاف؛ لأنه حقها، تركته في يد حموها، فلا يضرها ذلك، طال الزمان أو قصر؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم»، وليس هذا من وجه الحيازة التي ينتفع الحائز بها، ويفرق بين القرابة والأجنبيين والأصهار فيها؛ إذ قد عرف وجه كون الأحقال بين الحمو، فهي على ذلك محمولة حتى يعرف تصيرها إليه بوجه صحيح؛ لأن الحائز لا ينتفع بحيازته، إلا إذا جهل أصل مدخله فيها، وهذا أصل في الحكم بالحيازة، وبالله التوفيق.

.مسألة الأرض تكون بيد الرجل فيدعيها رجل فيستحقها وقد قلبها الآخر:

قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الأرض تكون بيد الرجل، فيدعيها رجل، ويخاصمه فيها، فيستحقها، وقد قلبها الذي كانت في يديه، وأنعم حرثها ليزرعها. قال: المستحق بالخيار، إن شاء أعطاه قيمة عمله وأخذها، فإن أبى قيل للذي استحقت في يديه: إن شئت فاغرم كراءها، وإن شئت فأسلمها بما فيها من العمل، ولا شيء عليك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة لم يجر فيها ابن القاسم على الأصل؛ لأنه إذ لم يلزم المستحق أن يعطي المستحق من يديه الأرض قيمة حرثه وعمله فيها، كما يلزم مستحق الحائط أن يعطي الذي استحق من يديه قيمة سقيه وعلاجه، إن كان سقاه وعالج فيه، وجعل من حق الذي استحقت من يده الأرض إذا أبى المستحق أن يدفع إليه قيمة حرثه وعمله، أن يدفع إليه قيمة أرضه، ويكون أحق بها، كما يكون ذلك له إذا استحقت من يديه وبناها؛ لأن منفعة حرثه، يستوي جميعها في ذلك العام، بخلاف أن يعطيه كراءها لذلك العام، يريد غير محروثة، ليصل بذلك إلى حقه في حرثه وعمله، فيلزمه أن يقول أيضا: إنه إن أبى من ذلك، كانا شريكين في كراء ذلك العام محروثة، المستحق بقيمة كرائها غير محروثة، المستحق منه بقيمة حرثه وعمله.
وإنما لم يكن من حق المستحق منه إذا أبى المستحق أن يدفع إليه قيمة حرثه وعمله، أن يدفع إليه قيمة أرضه، ويكون أحق بها، كما يكون ذلك له إذا استحقت من يده وبناها؛ لأن منفعة حرثه، يستوي جميعا في ذلك العام، بخلاف البنيان الذي تبقى منفعته الأعوام. ولأصبغ في الثمانية أنه لا شيء للذي حرث الأرض في حرثه على المستحق؛ لأنه ليس شيء وضعه فيها لو شاء أن يأخذه أخذه كذلك، قال سحنون: إنه لا شيء له، وإن زبلها؛ لأن ذلك مستهلك فيها، فيأخذها المستحق على ما هي عليه، كالدابة العجفى تسمن، والصغير يكبر، والاختلاف في هذه المسألة على اختلافهم في الرجوع في الاستحقاق بقيمة السقي والعلاج، فجواب ابن القاسم على أصله في وجوب الرجوع بذلك، وهو مذهب أشهب، وقول سحنون في ذلك على أصله، في أنه لا يجب الرجوع بذلك، وهو مذهب ابن الماجشون، وقول ابن القاسم أصح؛ إذ ليس بمتعد، وإنما عمل على وجه بشبهة، فلا تظلم عمله، ألا ترى أنه إذا بنى تكون له قيمة بنيانه قائما؟ وإن كان البنيان والعمل مستهلكا، لا يقدر على أخذه، ويلزم سحنون على أصله في الحرث والزبل، لا يكون له في البنيان، إلا قيمته منقوضا. وهذا ما لم يقله هو ولا غيره فيما أعلم، ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به سحنون، من الدابة العجفاء تسمن، والصغير يكبر؛ لأن النفقة عليهما بإزاء الانتفاع بهما؛ إذ لو رجع بها، لرجع عليه بقيمة الاستخدام والركوب، وذلك ما لا يصح؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الخراج بالضمان»، وبالله التوفيق.

.مسألة هلك زوجها وترك مالا وولدا فعايشت ولده ثم تزوجت بعده ثم هلكت:

قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن امرأة هلك زوجها، وترك منزلا وولدا ورقيقا، فعايشت المرأة ولد الرجل من غيرها زمانا، وتزوجت بعده زوجا أو زوجين، ثم هلكت، فقام ولدها من زوجها الذي تزوجها بعد الأول، يطلب مورثها من زوجها الأول، في رباعه ورقيقه، فقال ولد زوجها الأول: قد عايشتنا أمكم زمانا طويلا، وكانت أعلم بموضوع حقها، ووجه خصومتها، وذلك منذ عشرين سنة لم تطلب قبلنا شيئا حتى ماتت.
قال: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان حقها، من مورث معروف لها، وولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها، لا يقطع حقها ولا سكوتها في مورثها من زوجها الأول؛ لأن حال الورثة في هذا عندي مخالف لغيرهم، إلا أن يكونوا اقتسموا بعلمها، حتى حاز كل أحد نصيبه من الأرض، ودان بحقه من أثمان ما باعوا، وبحقه مما اقتسموا من الرقيق والعروض، وهي ساكتة عالمة، لا تدعي شيئا ولا تطلبه، فهذا الذي يقطع حجتها، ويبطل طلبها.
قلت: فإن لم يقسموا شيئا ببينة ثبتت، ولكن قد اقتطع كل وارث أرضا زرعها وتنسب إليه، أو دارا يسكنها، أو رقيقا يخدمهم، أو بقرا أو غنما يحتلبها، أو دواب يستغلها، فكل وارث قبض مما قصصت لك شيئا قد بان بمنفعة دون أشراكه، فإليه ينسب، وله يعرف، ولما كلفوا البينة على الاقتسام، لم يجدوها لطول الزمان، وليس في يد المرأة من ذلك شيء، وعسى أن يكون في يديها الشيء اليسير، أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من المورث؟ قال: لا أرى هذا يمنعها من أخذ حقها، إلا أن يكون كل واحد منهم يعتق من الرقيق، ويدبر، ويبيع، ويتصدق، ويكاتب، فإن صنعوا ذلك وما أشبهه فيما في أيديهم، رأيت ذلك حيازة لكل واحد منهم؛ لما بقي في يديه، وقطعا لدعوى المرأة وغيرها من أهل الميراث، فمن ترك الأخذ بحقه زمانا، وهو يرى ما يحدث هؤلاء الأشراك فيما في أيديهم، لا يغيرون عليهم، ولا ينكرون فعلهم قال: وإذا صنعوا مثل هذا بعلم المرأة، وإن طال الزمان، فهو قطع لحقها إذا لم تنكر عليهم، ويعرف منعها إياهم، وقيامها بأخذ حقه قبلهم، بحداثة ما أحدثوا مما لا يحدثه المرء إلا في خاصة ماله، قلت: أرأيت إن لم يعتقوا أو يدبروا أو يتصدقوا أو يبيعوا إلا الرأس أو الرأسين، من جماعة رقيق وحده، أيبطل سكوتها عنهم حقها، من جميع الميراث؟ فقال: لا، ولكن تأخذ حقها، فيما أعتقوا أو باعوا إذا كان الذي أحدثوا من ذلك في أيسر الميراث وأقله؛ لأنها تصف بالسكوت عن اليسير؛ لكثرة المورث، وما تأخر من القسم؛ لأنها تقول: قد يصير لهم أضعاف ما أحدثوا فيه مما سكت عنه. قال:
وكذلك لو أحدثوا مثل ما وصفت في جل الميراث وأكثره، وبقي يسير لم يحدثوا فيه شيئا، فإن حقها يبطل من القليل الباقي، فإنه تبع للكثير الذي استحقوه بما أحدثوا مما حازه بعضهم عن بعض.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان، فإن حقها من مورث معروف لها ولولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها، لا يقطع حقهم طول سكوتها من مورثها، من زوجها الأول؛ لأن حال الورثة في هذا عندي مخالف لغيرهم. هو مثل ما تقدم من قوله قبل هذا من أنه لا حيازة بين الأقارب، بخلاف الأجنبيين. وأما قوله: إلا أن يكونوا قد اقتسموا بعملها حتى حاز كل واحد نصيبه من الأرض، وبان بحظه من أثمان ما باعوا، وبحقه مما اقتسموا من الرقيق والعروض، وهي ساكتة لا تدعي شيئا ولا تطلبه، فهذا الذي يقطع حجتها، ويبطل طلبتها عندي ففيه تفصيل.
أما إذا كانت شاهدة للقسمة حين وقوعها، فيبطل حقها بسكوتها بعد ذلك العام ونحوه، على قياس ما ذكرنا من البيع قبل هذا، وفي سماع أشهب؛ لأن القسمة بيع من البيوع. وقد قيل: إنها تمييز حق، فبطلان حقها بمرور الحول على ذلك أحرى، وأما إن لم تشاهد القسمة، وإنما علمت بها بعد وقوعها، فلا يبطل حقها إلا بمرور مدة الحيازة، وقوله بعد ذلك في الرواية قلت: فإن لم يقسموا شيئا ببينة ثبتت، ولكن قد اقتطع كل وارث أرضا يزرعها، وتنسب إليه أو دارا يسكنها أو رقيقا يختدمهم، أو بقرا أو غنما يحتلبها، أو دواب يستغلها، فكان كل وارث قبض مما نصصت لك شيئا، قد بان بمنفعته دون أشراكه، فإليه ينسب وله يعرف، ولو كلفوا البينة على الأقسام لم يجدوها لطول الزمان.
وليس في يد المرأة من ذلك شيء، وعسى أن يكون في يدها الشيء اليسير، أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من المورث؟ قال: لا أرى هذا يمنعها من أخذ حقها، هو كما قال، ولا اختلاف فيه أعلمه، إلا ما تأوله بعض الناس، على ما في المدونة، حسبما ذكرناه في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، حاشا قوله أو دواب يستغلها؛ فإن قول ابن القاسم، اختلف في الاستغلال، هل هو بمنزلة الانتفاع بالسكنى والاستخدام، لا تقع الحيازة به بين الأوراث، أو بخلاف ذلك، فتقع الحيازة بينهم، وقع اختلاف قوله في ذلك في رسم الأقضية بعد هذا من هذا السماع، وأظن أنه قد وقع في بعض الكتب، أو دواب يستعملها، وهو أطرد على ما ذكره، وأما قوله بعد ذلك في الرواية: إلا أن يكون كل وارث منهم يعتق من الرقيق إلى آخر المسألة، فقد مضى القول عليه مستوفى في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يغرس في أرض امرأته أو يبني فيها أو في دارها ثم يموت أحدهم:

قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يغرس في أرض امرأته، أو يبني فيها أو في دارها، ثم يموت أحدهم، أيكون قيمة ذلك البنيان أو الغراس على المرأة، أو ورثتها؟ قال: نعم، قيمة ذلك عليها، أو على ورثتها إن ماتت واجب للزوج أو لورثته إن مات، وإنما حاله فيما غرس من مال المرأة حال المرتفق به، كالعارية التي يغرس فيها ويبني، إلا أن يكون للمرأة أو لورثتها بينة، أنه إنما كان ينفق في عمارة ما عمر من ذلك، من مال امرأته، ولها كان يصلح، فتكون أحق بأرضها، وما عمر لها الزوج فيها بمالها، قال: وإنما يعطي الزوج إذا لم تأت المرأة بالبينة على ما ذكرت لك، قيمة ما عمر مقلوعا، وليس قيمته قائما، وكذلك القضاء في قيمة كل عمران يضعه مستعيرا، أو مسترفق من غرس أو بنيان، وإنما يعطي قيمة كل عمران قائما صحيحا من عمر مواتا ثم استحق، أو عمر باشتراء فاستحق، أو اشتراء فعمر، ثم أخذ ذلك منه بالشفعة، فأما كل من أسكن دارا أو أعمرها، أو أرفق في مزرعة أو غيرها، أو أعمر جنانا أو أرضا حيازة أحدهما، أو إلى أجل من الآجال، أو إلى غير الأجل فعمر هؤلاء بالبنيان أو الغرس، ثم خرجوا طوعا قبل أجل السكنى أو العمرى، أو خرجوا عند انقضاء الأجل، فإنما يعطوا قيمة ما عمروا مقلوعا، وكذلك قال لي مالك والليث.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وإنما حاله فيما غرس وبنى من مال امرأته حال المرتفق به، كالعرية التي يغرس فيها ويبنى، بين أنه بمنزلته عنده إذا كان يرتفق بذلك في أنه لا تكون له إلا قيمته منقوضا، سواء أذنت له في البنيان والغرس، أو لم تأذن في ذلك، إلا أن تأذن له فيه، ثم تقدم عليه بحدثان ما بنى لتمنعه من الارتفاق، فلا يكون ذلك لها، إلا أن تعطيه قيمة ذلك قائما. وأما إذا كان لا يرتفق بمالها فبنى فيه لها أو غرس، فيفترق القول بين أن تأذن له في ذلك أو لا تأذن، فإن أذنت له في ذلك، كان له عليها ما أنفق، أو قيمة ذلك، وإن لم تأذن له لم يكن إلا قيمة بنيانه منقوضا، وسواء على مذهب ابن القاسم إذا لم تأذن أقرت له بالبنيان أنه بنى، وادعت أنه إنما بناه بمالها، فحلف أنه إنما بناه بماله، لا بمالها أو أنكرت، أن يكون بناه، فأقام البينة على ذلك، لا يكون له إلا قيمته منقوضا، وفرق ابن وهب في سماع عبد الملك زونان، في كتاب الدعوى والصلح بين الأمرين، فقال: إنه تكون له نفقته؛ إذا أقرت له بالبنيان، وادعت أنه إنما بناه بمالها، فأنكر ذلك، وحلف أنه بناه بماله.
وقوله صحيح على قياس قول مالك، في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب البضائع والوكلات، ورسم البز من سماعه أيضا من كتاب المديان والتفليس، في أن تصرف الرجل في مال زوجته، محمول على الوكالة لا على التعدي، ويأتي على قياس قول ابن القاسم: إنه محمول على التعدي حتى تعرف الوكالة، ولو أقرت المرأة أنها أذنت أن يبنيه بمالها، فبناه به، وقال: هو إنما بنيته بمالي، وحلف على ذلك؛ لكانت له نفقته عندهما جميعا، وقد مضى القول في سماع أشهب على قوله، وإنما يعطي قيمة كل عمران قائما صحيحا من عمر مواتا فاستحق، فلا معنى لإعادته.
وقوله: وأما كل من أسكن دارا أو أعمرها، أو أرفق في مزرعة أو غيرها، أو أعمر جنانا أو أرضا حياة أحدهما، أو إلى أجل من الآجال، أو إلى غير أجل، فعمر هؤلاء بالبنيان أو الغراس، ثم خرجوا طوعا قبل أجل السكنى أو العمرى، وخرجوا عند انقضاء الأجل، فإنما يعطوا قيمة ما عمروا مقلوعا، وكذلك قال لي مالك والليث، يريد: سواء أذن له في البنيان أو لم يأذن، وقد نص على ذلك في المدونة، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف وابن الماجشون، قال: كل من بنى في أرض قوم أو غرس بإذنهم وعلمهم، فلم يمنعوه، فله قيمة ذلك قائما كالباني بشبهة، وكذلك كل من تكارى أرضا أو منحها إلى أجل أو غير أجل، ثم بنى فيها بإذنهم وعلمهم، أو لم يستأذنهم ولم يمنعوه ولا نهوه، فإن له قيمته قائما إذا أراد أن يخرج؟ وكذلك من بنى في أرض بينه وبين شريكه بعمله، فله قيمته قائما، وكذلك من بنى في أرض امرأته وبعلمها، قال مطرف وابن الماجشون: ما علمنا اختلف فيه قول مالك ولا أحد من أصحابه؛ ابن أبي حازم، وابن دينار، والمغيرة، وغيرهم، وبه القضاء بالمدينة، وقاله ابن كنانة، وابن مسعود، وابن نافع، وشريح، وروى ابن وهب فيه حديثا للنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، وبالله التوفيق.

.مسألة يفتات على الرجل فيبيع أمته وهو غائب:

ومن كتاب الصلاة:
وقال في الرجل يفتات على الرجل، فيبيع أمته وهو غائب، فإذا علم بذلك المشتري، أراد تعجيل ردها، فقال البائع: لا أقبلها حتى يقدم سيدها، فإنه سيمضي البيع، قال: يلزمه تعجيل ردها وغرم الثمن؛ لأن المشتري لا يحول له وطء فرج لا يدري أيمضي السيد بيعها أم لا؟ قلت له: أرأيت إن لم يعلم المشتري حتى قدم سيد الأمة، فأمضى البيع؟ قال: يثبت البيع ويمضي، ولا حجة للمشتري في ردها إن قدم سيدها قبل أن يعلم المشتري بالذي غر به من شأنها.
قال: وكذلك النفر يكونون شركاء في الأمة، فيغيب رجل منهم، فيفتات عليه الآخرون، فيبيعون جميع الأمة، ثم يعلم بذلك المشتري؛ أنه يردها، ولا ينتظر قدوم الغائب، قال: فإن حبسها حتى يقدم الغائب، فيأخذ نصيبه منها، ويريد أشراكه الباعة أن يلزموا المشتري حظوظهم من حساب باعوا منه جميع الأمة، لم يكن ذلك لهم إلا برضا المشتري، وذلك أنه يقول: إنما رغبت فيها؛ إذا كان ملكها لي تاما يحل لي فرجها، فأما إذا شركني فيها غيري، فلا حاجة لي بحظوظهم، قال: ولو أنهم باعوا كلهم الجارية من رجل، فاستحق رجل حظ أحدهم، فأراد المشتري أن يردها بذلك، بأن يقول: لا أحبس أمة لا يحل لي وطؤها، من أجل من شركني الآن فيها، فإن ذلك ليس له، من أجل أنه إنما اشترى حظ كل أحد من الشركاء، من صاحب ذلك الحظ نفسه، فلا حجة له على من لم يستحق حظه بما استحق من حظ غيره. قيل له: أرأيت إن استحقت الأمة حرية ثلثها، وإنما باعها ثلاثة نفر، أيلزم المشتري حبس ما بقي؟ فقال: لا؛ لأن الذي استحق من حريتها، كان ثلثا أو ربعا أو خمسا، فهو يقع في جميع رقبتها، فمن حجته على الباعة أجمعين أن يقول لكل رجل منهم: قد استحق من يدي من حظك الذي بعتني من الأمة بعضه، ولا أريد أمة يشركني فيها غير ويحرم علي فرجها، لذلك، فلا حاجة لي بها، فهي رد على جميعهم، إلا أن يرضى أن يحبس ما بقي طائعا، قلت: أرأيت إن استحق من رقبة الأمة جزء من الأجزاء، مثل ما استحقت هي من حريتها، أيجوز له ردها؟ قال: نعم، وإنما يلزمه حبس ما بقي من الأمة إذا استحق بعضها؛ إذا كان الذي يستحق إنما هو حظ رجل من الشركاء بعينيه فقط.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يبيع أمة رجل وهو غائب: إن للمشتري تعجيل ردها، وليس عليه أن ينتظر رأي صاحبها، من أجل أنه لا يحل وطء فرج، لا يدري أيمضي السيد بيعها أم لا؟ صحيح، مثل ما في كتاب الغصب من المدونة، ولا خلاف فيه أعلمه، وأما إذا قدم سيدها فأمضى البيع، وأراد المشتري الرد، فيتخرج ذلك على الاختلاف في العهدة، هل تنتقل عن البائع إلى سيد الأمة أم لا؟ وفي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها لا تنتقل على البائع، وهو قول سحنون، فعلى قياس هذا القول، يأتي قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن البيع يلزم المشتري، وليس له أن يرد.
والقول الثاني: إن العهدة تنتقل عن البائع إلى سيد الأمة، روى ذلك أصبغ عن ابن القاسم، وحكاه أيضا عنه سحنون. فعلى قياس هذا القول يكون للمشتري أن يرد الأمة، وإن قدم سيد الجارية، فأجاز البيع؛ لأن من حجته أن يقول: لا أرضى أن تكون عهدتي عليك؛ لأني إنما رضيت بذمة البائع مني، لا بذمتك، وهو قول وحجة، وفي العهدة قول ثالث، وهو تفرقة أصبغ بين أن تكون الأمة، قد فاتت أو لم تفت، وهو قول له وجه في النظر؛ إذ من حق سيد الأمة أن يضمن البائع الغاصب قيمتها إذا فاتت، فإذا كان ذلك من حقه، فكأنها قد وجبت للغاصب، فلا تنتقل العهدة عنه، فعلى قياس هذا القول، إن جاء بها فأجاز البيع، وهي قائمة لم تفت، كان للمشتري الرد، وإن جاء وقد فاتت، فأجاز البيع، لم يكن للمشتري أن يرد؛ لأن عهدته باقية على الذي اشترى منه ويشبه أن يقال: إن له الرد على كل حال، انتقلت العهدة عن البائع الغاصب أو لم تنتقل؛ لأنها إن انتقلت عنه قال: لم أرض إلا بذمته، وإن لم تنتقل عنه قال: لم أرض بذمة غاصب، ويشبه أن يقال: إن ابن القاسم لم ير للمبتاع حجة في العهدة؛ يجب له بها الرد، ولذلك قال: ليس له أن يرد مع أن الموجود له أن العهدة على سيد الأمة إن أجاز البيع، فيتحصل على هذا في الرد أربعة أقوال؛ أحدها: أنه لا يرد بحال. والثاني: أن يرد بكل حال. والثالث: أنه يرد على القول بأن العهدة على سيد الأمة، ولا يرد على القول بأن العهدة على البائع الغاصب. والرابع: أنه يرد إن جاء سيدها، فأجاز البيع بعد أن فاتت، على قياس تفرقة أصبغ في العهدة بين الوجهين، على هذا كان من تقدم من الشيوخ يحمل الاختلاف في انتقال العهدة في هذه المسألة. والذي يوجبه النظر في ذلك، أن الاختلاف في انتقالها، إنما هو إذا فات العبد أو الأمة فواتا يوجب للمستحق تضمين الغاصب القيمة، ولا اختلاف في أنها تنتقل إذا لم يجب للمستحق إلا أخذه، أو إجازة البيع وأخذ الثمن، ولا في أنها لا تنتقل إذا لم يجب له أخذه لفواته، حسبما نذكره في كتاب الغصب عند تكلمنا على رواية أصبغ، فيه إرث لثمنه، وتفرقته في الجارية تكون بين الشركاء، بين أن يغيب أحدهم فيبيع الباقون جميعا، فيأتي الغائب فيستحق نصيبه، وبين أن يبيعوها، فيأتي رجل فيستحق نصيب أحدهم في أن للمشتري أن يرد ما بقي من الجارية على الذين باعوها منهم، إن كانوا باعوا منه جميعا، وليس له أن يرد ما بقي في يديه منها، على الذين باعوه إياه؛ إذا كانوا لم يبيعوا منه جميعا، وإنما باعوا منه حصصهم لا أكثر، صحيحة؛ إذ لا حجة له عليهم في استحقاق ما باع منه غيرهم، وإنما له الحجة عليهم في استحقاق ما استحق مما باعوا منه.
وقد وقع في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، من كتاب البضائع والوكالات، مسألة حملها بعض الناس على أنها مخالفة لهذا، في أن المشتري ليس له أن يرد الباقي على البائعين منه، وإن كانوا هم باعوا منه جميع الأمة، وليس ذلك بصحيح من التأويل، على ما لعلنا سنذكره إذا مررنا به في موضعه إن شاء الله. وكذلك استحقاق جزء من الأمة بالحرية مثله، سواء أن كانوا باعوا جميعها، كان للمشتري أن يرد الباقي عليهم، كما ذكر ولو كان أحدهم قد أعتق نصيبه وهو معدم، فلم يقوم عليه نصيب أشراكه، ثم باعوا كلهم الأمة، فاستحق نصيب الذي أعتق نصيبه بالحرية، لم يكن للمشتري أن يرد الباقي منها على أشراكه البائعين منه؛ إذ لم يبيعوا هم منه الحظ المستحق بالحرية، وبالله التوفيق.

.مسألة الأرض تستحق بالعدول ولا يثبتون حوزها فيشهد على حوزها غير عدول:

ومن كتاب المكاتب:
قال: وسألته عن الأرض تستحق بالعدول، ولا يثبتون حوزها، فيشهد على حوزها من الجيران غير عدول، أيتم بذلك الحكم لمدعيها مع يمينه؟ فقال: لا يشهد في الحوز وغيره غير العدول، ولا أرى أن يتم استحقاقها إلا بهم. قلت: فإن الغاصب ربما خلط دورا وعور حوزها حتى لا يثبتها أحد، ممن كان يعرفها لأهلها، ويحوزها لهم، فقال: يحوز المدعى عليه ما أقر به، ويحلف على ذلك، ثم لا شيء عليه غيره. قلت: إذا يقال ذلك جدا قال: أما إذا لم يقر موضع الباب أو ما يرى أنه ليس بشيء، فلا يقبل قوله: وإما أن يقربا بالبيت ونحوه، فليس عليه إلا ذلك مع يمينه، إلا ما حاز العدول للمدعي المغتصب.
قلت: فإن لم يقر إلا بموضع الباب أو نحوه، وأنت لا تعطى المغتصب إلا ببينة عادلة حائزة لما شهدوا عليه، فماذا يلزم الغاصب إذا لم يقر إلا بموضع باب أو جدار؟ فقال: أما إذا استدل على أن الغاصب يكتم مواضع الحوز بما يستنكر من أمره، حاز المدعى، فاستحق ما حاز بيمينه، مع ما ثبت له من البينة على أصل الغصب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف، وزاد قال: فإن قال المدعي: لا أعرفه قد غير حدودها، وعمى معلومها، حيل بينه وبين الأرض جميعها حتى يقر له بحقه منها، قال: وقد قال ذلك مالك في غير الغاصب، فالغاصب أحق بالحمل عليه؛ لأنه غاصب، مع ما يلزمه من الأدب الموجع والعقوبة البالغة، والسجن الطويل، فيما ثبت عليه من الغصب واهتضام المسلمين حقوقهم.
قال: وهذا إذا كان ممن له في تلك القرية أو حول تلك الأرض حق قبل ذلك ثم غصب هذه الأرض، فضمها إلى حقه. وأما لو ثبت أن أول دخوله فيها، بسبب هذا الغصب الذي ثبت عليه، اكتفي المشهود له من شهوده بأن يشهدوا له، وأنه غصبه الأرض، وإن لم يجدوها، ولم يسأل المشهود عليه، كم لهذا منها.
وأخرج منها جميعا حتى يأتي ببينة على ما ادعاه فيها بعد دخوله من شراء صحيح، أو حق يثبت له. وقد قيل: إن الشهود إذا لم يثبتوا حوز الأرض بتعوير الغاصب لها كان القول قول المغصوب منه، حكى ذلك يحيى بن يحيى عن غير ابن القاسم في المبسوطة وأخذ به، واستحسنه بعد أن حكى عن ابن القاسم مثل قوله هاهنا، وعن ابن وهب أيضا، وكذلك قال ابن كنانة ومطرف في الغاصب ينتهب من رجل مالا في صرة، والناس ينظرون فيطرحه حيث لا يوجد، إن القول قول المنتهب منه، خلاف قول مالك في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، من كتاب الغصب في المسألة بعينها، وخلاف هذه الرواية؛ إذ لا فرق بينها وبينها في المعنى، وقد قيل: إن الشهادة باطل إذا لم يحقق الشهود ما شهدوا به ولا حازوه، وقيل: إن المشهود عليه يسجن بهذه الشهادة، ويضيق عليه، حتى يبين له بحقه، ويحلف عليه، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، في كتاب الغصب؛ قال أصبغ: وإن أنكر الجميع بعد الحبس أحلف كما يحلف المدعى عليه، بغير شهادة، وقيل: إذا لم يدر الشهود كم حقه من الأرض، نزلوا على ما لا يشكون فيه، ثم دفع إلى المشهود له، وهو قول ابن كنانة، وكذلك إذا شهد الشهود للرجل أن رجلا غصبه أرضا في قرية لا يعرفون موضعها، يختلف في ذلك أيضا هل تبطل الشهادة، أو يكون القول قول الغاصب؛ أو قول المغصوب منه؟
وقد فرق في المجموعة ابن القاسم بين أن يشهد الشهود أنه غصبه أرضا لا يعرفون موضعها، أو أنه غصبه أرضا بعينها، لا يثبتون حوزها، وذلك أنه ذكر فيها أعني في المجموعة نص رواية عيسى عنه، في رسم الجواب، من سماع عيسى من كتاب الغصب؛ أن الشهادة باطل، وزاد عليها قال: ولو شهدوا على الأرض ولم يثبتوا الحوز، فذكر نص رواية يحيى، هذه حرفا بحرف، فبان بهذا افتراق المسألتين عنده، فعلى هذا ليست رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الغصب بمخالفة لرواية أصبغ فيه، ولا لرواية يحيى هذه، وإنما الخلاف بين هذه الرواية، ورواية أصبغ في كتاب الغصب. ويتحصل في المسألة ستة أقوال؛ أحدها: أن الشهادة باطل، لا توجب حكما. والثاني: أنها توجب الشهادة على المشهود عليه. والثالث: أن البينة تستنزل إلى ما لا يشك فيه. والرابع: أن القول قول المغصوب منه. والخامس: أن القول قول الغاصب، إلا أن يأتي بما لا يشبه، فيكون القول قول المغصوب منه، على ما وقع في رواية يحيى هذه. والسادس: الفرق بين أن يشهد الشهود على الأرض بعينها، ولا يعرفون حدودها، وبين أن لا يعينوا الأرض، وإنما يشهدون أنه غصبه في القرية أرضا لا يعرفونها، وبالله التوفيق.

.مسألة يدعي القرية فيستحقها بالعدول ثم يحوز الشهود غيرها:

قال: وسئل عن الرجل يدعي القرية فيستحقها بالعدول، فلما أمر الشهود أن يحوزوا ما شهدوا له عليه، حازوا القرية بحدودها، وقرية إلى جنبها في أيدي قوم لم يخاصموا، فقال: القوم الذين حيز ما في أيديهم، ممن لم يخاصم: نشهد أن الذي في أيدينا، والذي قضى به لفلان، ليس لنا فيه شيء، ولا للمقضي عليهم، ولا للمقضي له، ولكنه كله يجوز حدوده لرجل ذكروه غائب تركه في أيدي آبائنا أجمعين إرفاقا منه لهم، يريدون أباهم وأبا المقضي عليهم، والمقضي له، وهم عدول غير متهمين، أتجوز شهادتهم أم لا؟ قال: لا شهادة لهم؛ لأنهم مرتفقون، يجرون إلى أنفسهم بشهادتهم، ويريدون أن يقر بأيديهم ما أرفقوا به، فشهادتهم عندي غير جائزة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إن الشهادة غير جائزة؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين، ولا جار لنفسه»، وبالله التوفيق.